نحو رؤية شرعية لفيديو كليب الإسلامي

نحو رؤية شرعية لفيديو كليب الإسلامي

خاص المجلة التركية | الكاتب الدكتور: عبد الوهاب القرش

الباحث في العلـــوم الإنسانية

 

كليب «المعلِّم» لسامي يوسف نموذجًا

“أنا لا أرقص ولا أتغزل وموسيقاي نابعة من حبي للرسول صلى الله عليه وسلم”
سامي يوسف

الفيديو كليب لا يقدم كلمات ركيكة أو مجرد راقصة تتلوى وتتعرى بل يعكس ثقافة ما ومستوى معينًا لحالة الفن في هذا البلد أو ذاك..ولهذا فإن الإسلام حرم هذا النوع من الغناء والرقص المصاحب له لما فيه من بعد عن روح الدين الإسلامي.

لقد كانت الموسيقى عند الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمور الدنيوية الزائلة..ولم تكن جزءًا ذا قيمة من الدعوة الإسلامية لذا نراه صلى الله عليه وسلم سمح بالموسيقى في المناسبات السارة كالأعراس وقدوم الضيوف ترويحًا للنفس وإشاعة للسرور. وحرم الموسيقى البعيدة عن تعاليم و روح الدين الجديد، والتي يرافقها من خمر ووجود الغانيات.

الحق نقول:إن أمتياز الإسلام بالشمولية والواقعية يحتم قبول بعض من الغناء والموسيقى ضمن شروط..مثل أن يلائم موضوع المادة الموسيقية طبيعة المجتمع الإسلامي، وعلى النظرة الواقعية التأملية للوجود والكون، مثال على ذلك موسيقى تصف الطبيعة والأزهار والرياحين..هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى ، فإن طريقة الأداء قد تنقلها من دائرة الحلال إلى دائرة الحرام ، كأن تكون في بيئة منحلة أو يرافقها خلاعة.
إن الموسيقى والغناء قد تكونا مفتاحًا للهوى ، فيجب ألا يؤثر استعمالها على النواحي والواجبات الأساسية كالصلاة والدراسة وألا تؤدي إلى الانحراف والضلال.

إن كلمات الأغاني المرافقة للموسيقى ذات أهمية حيث يجب ألا يكون فيها فحش أو خنا أو ذم أحد من عباد الله المؤمنين، مثلاً أن يكون وصف لطبيعة أو غزل لطيف عفيف..ومن هنا فإن الابتهالات والأناشيد الدينية هي مما أباحه الدين الحنيف، وأيضًا الموشحات الدينية والأناشيد الدينية التي فيها ذكر الله وتسبيحه ومدح النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الموسيقى العسكرية والأناشيد الوطنية تحظى بقبول كبير في الإسلام ، وخاصة أيام الجهاد، لما فيها من إذكاء للروح الوطنية والحماسة البناءة ، ومن هنا أيضًا يأتي الفلكلور وتصبح الموسيقى وسيلة للتعبير وتكون سببًا من أسباب تطور الثقافة وخدمة الإنسان.

ومن ناحية أخرى ، لا يمانع الإسلام أخذ الموسيقى كعلم من العلوم، وقد ظهر علماء مسلمون درسوا الموسيقى نظريًا وعمليًا وأبدعوا فيها.ومن هنا يحبذ استعمالها في التربية لما فيها من تهذيب للنفوس ، واستعمالها في الأناشيد والتمارين الإيقاعية الصباحية في المدارس.

ويجب ألا يكون تأثيرها على العقل ضارًا، فإذا أثرت على عقل الإنسان بشكل سلبي فهي حرام ، والموسيقى المهيجة للنفوس حرام، وأما الموسيقى التي تبعث على الفرح والسرور والطمأنينة فهي مباحة، ويحبذ استعمالها وسماعها عند حدوث نعمة أنعمها الله على عباده كموسم زراعي جديد.
وجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كره جعلها موردًا للرزق وفضل العمل بغيرها، كما لا يستحب تضييع العمر في تعلم آلة موسيقية معينة.
ومن ناحية أخرى، فإن الغناء والموسيقى قد يستعملان كوسيلة للعلاج من الأمراض النفسية والعقلية، وقد استعملتا لهذا الغرض منذ قدم التاريخ ، فلا مانع أن تستعمل كهدف علاجي ، وعلى المعالج أن ينتقي موسيقى ملائمة لحالة المريض المتعامل معه، هنا تكون الموسيقى إنسانية، شخصية واجتماعية ، ويكون تأثيرها بناء علاجيًا بوسائل وأساليب مختلفة.
إن الموسيقى هي فن الصوت ، وهي سبب فعال إيجابي مؤثر لكثير من الحالات والأغراض الإنسانية . إن الإسلام بشموليته وواقعيته يقبل الموسيقى باعتدال ضمن شروط ، إذا عبرت عن الفن الخلاق والذوق السليم ضمن مفاهيم الدين الإسلامي الحنيف.

كليب «المعلِّم»: الانفجار العظيم و النموذج الأمثل:
وقد كان المطرب الإنجليزي سامي يوسف هو أكثر المنشدين الذين نقلوا مرحلة (أناشيد الفيديو كليب) إلى القنوات الفضائية، لا سيما الغنائية منها. فقد قدّم سامي يوسف كليب «المعلِّم» بفيديو كليب رائع نال إعجاب الجميع، وقد فازت كليبه بالمركز الأول في مصر وتركيا لمدة 3 أشهر.
ويعد الفنان الشاب سامي يوسف هو أول مطرب يغني للإسلام في الوقت الذي يهاجم فيه الإسلام من أهله ومن غير أهله في حملة الكراهية التي يقودها الفصيل المسيحي الصهيوني في البيت الأبيض.
لقد نجح سامي يوسف في أن يثبت لنا أن الفن النظيف له جمهوره الذي يبحث عنه وينتظره ، كما نجح الفنان النقي في أن يسمعنا اسم الله والصلاة على نبيه صلى الله الله عليه وسلم متغنيًا بالقيم النبيلة من خلال ألحان شجية نقية تقية بثتها قنوات فضائية تكرس العولمة وتحارب الأديان والأخلاق ، ولا تؤنس فيها سوى عروض الأجساد العارية المتراقصة ولا يسمع منها سوى كلمات السكارى والمرضى عقليًا من ذهان وفصام فإذا كانت بعض الكلمات مفهومة فهي لا تحمل غير معانٍ لا تدور سوى في غرف النوم المغلقة.
وإذا نظرنا إلى فيديو كليب «المعلِّم» ، فسوف نجد الحروف العربية المستغلقة إراديًا على كثير من فئة «المتروشنين» الذين لا يعرفون من الفصحى سوى التحكم على روائع الشعر أو أولئك الـ«كُول» من شبابنا..!!، هذه الحروف الفصيحة التي خرجت جزلة من حنجرة سامي يوسف على الرغم أنه غير عربي.
ومن يمعن النظر في أغاني الفنان سامي يوسف يتبين لنا أنه أكثر من مجرد منشد ، فهو فنان موهوب سليم الصوت ، وهو فوق هذا مؤلف وملحن قدم لنا رائعته: كليب «المعلِّم» الذي نحن بصدده والذي أخرجه له «هاني أسامة».

الحق نقول:يشعر المرء عند سماع هذا الكليب من المطرب سامي يوسف أنه يقدم نظرية صلبة في مجال الأداء الغنائي النظيف الذي لا يهرول خلف الإثارة والدعارة مدعيًا بأن الجمهور«عايز كده»، وهو يقدم الدرس البليغ لأصحاب نظرية «التوابل الجنسية والمشهيات الايروتيكية» كما يقدم الدرس البليغ لرجال الأعمال الذين يسثمرون أموالهم في أجساد النساء ومن على هذه الشاكلة..لقد أقام المطرب سامي يوسف الحجة على المتخاذلين الخائفين من أصحاب الأموال الذين يتذرعون بأن الجدية قد فات زمانها..!!
ولنستمع إلى المطرب سامي يوسف وهو يمزج بين عبارات بسيطة لكن مؤثرة من العربية إلى الفصحى ، وعبارات بالإنجليزية فضلاً عن الألحان المستجلبة من عدة أمزجة تلحينية لم تستقطب الغربيين أو غير العرب من المسلمين وحسب، إنما هي فاتحة مُبشرة سحرت آذان وأفئدة الكثير من الشباب الإسلامي الذي كانوا يرتعون في العالم الأسفل للإبداع الفني المشغول بالنصف الأسفل من الإنسان ولا يهز رءوسهم سوى نعيق مترافق مع عري وتَلَو وتهتك وتبرج وسقوط وخنا وخنوع وخضوع بالقول ليطمع الذي في قلبه مرض.
صحيح أن كثيرًا شاهدوا «الكليب» واستمعوا إلى الألبوم من أجل عذوبة الصوت وحيوية الأداء وعصريته ، لكن الرسالة اللاواعية التي يحملها ستكون وصلت ولو جزئيًا في أسوأ تقدير.
إن كليب «المعلِّم» الذي يتحدث عن محاسن الرسول صلى الله عليه وسلم قهر أنماط المملة في الغناء الديني ، الذي توقف عند الدف والجناس والطباق والتشبيه والريتم البطيء الممل الذي عهدناه في الإنشاد الديني التقليدي كما يرقى في المعاني ويسمو بها عن الخزعبلات التي يبالغ فيها المنشدون فيظن بعض الجاهلين بأن هذه الأناشيد حجة على الدين..لكن المطرب سامي يوسف قدم الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته من الواقع المعاش في شكل عصري يحترم العقول ويستهوي القلوب المطمئنة.
أما أن الفكرة فإن كليب «المعلِّم» قد قهر أيضًا الأنماط الممزقة بين العصرية والتدين ليقول:إن العصرية ليست ضد التدين الواعي السليم، حيث يؤدي سامي ي وسف في «الكليب» دور شاب له هواية حديثة تقدر الحس الجمالي «التصوير» ، يعيش في منزل عصري ويرتدي ثيابًا كأي شاب في سنه ويقود سيارة من نوع «جيب» (كلها رموز للعصرية على الأقل من الناحية الظاهرية) وفي نفس الوقت يظهر مصحف مفتوح لا يغطيه التراب وهو كناية عن العناية بالقرآن الكريم ورمز إلى أن المصحف لم يهجر بعد ونرى المصحف رفيقًا لصاحبه إلى جانب آلة التصوير التي يهواها ، وهذ أيضًا رمز إلى أن الإسلام لا يحرم الفنون.
وفي الكليب نرى الشاب يقبل يد أمه قبل انصرافه لممارسته هوايته، وهو دعوة إلى البر بالوالدين واستجابة لحث الرسول صلى الله عليه وسلم على البر بالأم ثم نراه في الكليب يساعد كفيفًا في عبور الشارع ، ثم يؤم في الصلاة أطفالاً متعددي الأعراق وهنا الرمزية الجميلة إلى أن الإسلام دين عالمي مما يؤكد ثراء الإسلام بل ويداعبهم(وهنا رمز تطبيقية حواها كليب«المعلِّم» تبرز شمائل وصفات الرسول صلى الله عليه وسلم).

أي أن كليب «المعلِّم» لا يهدف فقط إلى التغني بالشمائل النبوية بل إلى تطبيقها وفي نفس الوقت كسر الحاجز الذي عطل مسيرة الفن النظيف وقهر الأنماط الجائرة التي كانت تطوقه . بل إن كليب «المعلِّم» يذهب إلى درجة من الترميز أبعد وأعمق من ذلك ، فقبيل نهاية «الكليب» يظهر الشاب وقد جمع حطبًا وأشعل نارًا ليقوم بتصويرها قبل أن يلفت نظره ضياء جاء من الأفق يختبئ خلف الجبال، عندها يصعد الشاب الجبل ليجد هيكلاً مضيئًا يلوح في الأفق (وهذا الهيكل المضيء يظهر على غلاف القرص المبرمج للألبوم الذي يحتوي سبعة أناشيد أخرى بخلاف المعلِّم ) وهذا الرمز عميق جدًا. فالهيكل قد يكون مجرد لوحة إعلانية من النيون أو مبنى عاديًا تزينه الأنوار، برز من بعيد لكن كليب «المعلِّم» يفلسف المسألة ويعرض الهيكل على أنه النور الذي به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى البشرية ، وهنا تظهر مرة أخرى الرسالة اللاوعية بعدم التعارض بين ما هو حديث (الجسم المادي ، إعلان النيون المحتمل مثلاً ) وبين التدين (إسقاط ضياء الدين في مظاهر حياتنا).
وبهذا استطاع سامي يوسف أن يصل – ببساطته ونظافته ورقيه – إلى أفئدة الملايين..وتعتبر كل كليبات المطرب سامي يوسف نموذجًا للفن الراقي ..ليت مطربات العري تراها وتتعلم علِّنا نستريح قليلاً من عروض الأجساد التي تنتهك فعلاً كرامة المرأة ولا نسمع من جمعيات المرأة شيئًا ضد هذا العري كليب.

الكاتب : د.عبدالوهاب القرش

المصادر والمراجع:
– أبو حامد الغزالي: تهذيب إحياء علوم الدين، تحقيق عبدالسلام هارون،مؤسسة الثقافة الإسلامية 1988م.
– حسن علي:الفيديو كليب ظاهرة الأغاني الشبابية،سلسلة اقرأ، عام 2006.
– سمية عرفات:مدى مراعاة الضوابط الأخلاقية في الأغنية العربية المصورة..دراسة تحليلية للأغنية العربية المصورة بقناة دريم، مجلة البحوث الإعلامية، جامعة الأزهر، عدد(81)،أكتوبر 2002م.
– علي اليوسف : الفن الإسلامي وأثره دعوياً وسياسياً وشعبياً ، مجلة فلسطين المسلمة بتاريخ 1 / 11 / 2005.

شارك المقالة

COMMENTS

%d مدونون معجبون بهذه: