جاري التحميل

اكتب للبحث

التاريخ التركي

تعرّف على السّلطان الذي اهتم بإحياء ذكرى الغازي “أرطغرل”

 

يؤكد المؤرخ التركي “كمال كاربات” في كتابه “تسييس الإسلام” أن عهد السلطان “عبد الحميد الثاني” رسخ فكرة “الوطن غير قابل للانقسام” في أذهان اﻷجيال التركية المتعاقبة من خلال المدارس التي افتتحها والذكريات التي أحياها والتي تغذي مفهوم الوطن وتمنح هوية رسمية للتقاليد الاجتماعية.


يشير كاربات إلى أن السلطان جمع هذه الذكريات وسلّط اﻷضواء الرسمية عليها ومن ثم أحياها واحدة تلو اﻷخرى، وأسّس قناة ثقافية تتدفق من خلالها الذكرى التاريخية بسهولة وتُسترجّع الذكريات من رحم التاريخ المظلم إلى يومنا هذا مما يسهل تبنيها والحفاظ عليها.

في وسط ثمانينيات القرن التاسع عشر، افتتح السلطان عبد الحميد مدارس حديثة تعمل على تنشئة اﻷجيال على معرفة اللغة العثمانية، كما نشّط اﻷدوات التي ترسخ هذه اﻷيديولوجية، مُركّزا على مسألة الحنين للأصل، ليعيد اﻷصول العثمانية القوية، ولذلك أعاد ذكريات الغازي “أرطغرل” للحياة من جديد بعد مئات السنين.


تمثّلت بصمة السلطان عبد الحميد الثاني باحتفالات بيلاجيك وسوغوت وفتح إسطنبول في كل عام، وإعلان استقلال إسطنبول، واحتفالات الغازي أرطغرل. وبعد أن شارك السلطان في احتفالات “سوغوت” عام 1895 أخذت طابعا رسميا.

كيف يتم الاحتفال بذكرى أرطغرل

يجتمع أبناء عشيرة “قرة كجي لي” المنتشرون في مدن أسكي شهير، وسوغوت، وكوتاهية ويني شهر، في “أولو كلو” في مواسم الاحتفالات مُتّجهين إلى مدينة سوغوت التي دُفِنَ فيها أرطغرل، على ظهور الخيول وهم يرتدون ملابس الرُّحَّل،مرددين النشيد الوطني:

نحن العسكر النادر

في موكب أرطغرل خان

نحن العسكر الشجاع

الفريد في القوة و القدرة

حتى يصلوا إلى ساحة قبر الغازي “أرطغرل”، تحت أنظار المتابعين لعروض الخيل ورمي الرماح أمام القبر. تُقام الاحتفالات لثلاث أو أربع أيام، يرسل خلالها رئيس القبيلة برقية إلى القصر قائلًا: “لقد قمنا بأداء وظيفتنا السنوية بتقديم الاحترام لقبر أجداد حضرة السلطان المحترمين.” و تكررت هذه الجملة بهذا النمط لسنوات عديدة. وبعد تناول الرز الشافي المطبوخ بلحوم الخرفان والحلوى يختتم المهرجان بالدعاء الجماعي للسلطان.

وما زال الرز الشافي ورمي الرماح مستمرًا إلى يومنا هذا، أما المهرجانات فقد اتسع نطاقها فشارك بها أيضا التركمان القادمون من كل أنحاء تركيا،ليقدموا موسيقى المهتر الفلكلورية والحفلات الفنية، فتنصب الخيام وتقدم الفطائر والعيران.

وقد منح السلطان “عبد الحميد” في عام 1901 لـ “بكر صادق بك” رئيس قبيلة “قرة كجي لي” وزعمائها ميداليات ذهبية ونياشين مجيدية عثمانية، لما رآه في القبيلة من صورة حية عن أجداده الشجعان، فاهتم بهم وجعل الحرس الشخصي له من أبنائهم، وكان يخاطبهم قائلا: “أصحابي المخلصين”. و يذكر أنه قدّمهم للإمبراطور اﻷلماني “وليام الثاني” عند زيارته بأنهم أقرباؤه.

كما قرّر تشكيل لواء “ألأي” خيالة من حَمَلَة الرماح باسم الغازي “أرطغرل”، كما أعطى اﻷسم نفسه لسفينة حربية (السفينة التي غرقت في سواحل اليابان) تخليدا لذكرى الغازي “أرطغرل”.

في موقد أرطغرل استيقظنا

و من دماء الشهداء اصطبغنا

كان هذا النشيد يتردد في المدارس في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. وهذه النشيدة تُظهر تعبير أُمّة كانت تعاني في ذلك الوقت أيامًا كارثيةً حزينةً، وتُظهر أيضا حسرتها على ماضيها المشرف.

اهتمّ السلطان بهذه المنطقة. وذكرت جريدة “إقدام” في 4 أيلول/ سبتمبر 1905 خبر افتتاح 12 مسجدا للعبادة في سوغوت. ويجد زائر المدينة مسجد الحميدية ذو المنارتين وبجواره المدرسة الثانوية في دلالة واضحة أنهما مُكمّلين لبعضهما في نظره.

كما تم في عهده إصلاح مسجد “محمد جلبي” في سوغوت بعد أن كان خرابة، وأصلح قبر الفقيه “دورسون” عديل الغازي “عُثمان” وأول من اعتُرِفَ به كشيخٍ للإسلام في الدولة العثمانية في قرية “كرا”. وأعيد كذلك بناء قبر الغازي “عثمان”، وكان ابنه الغازي “أورخان” قد نقله إلى بورصة.

وتم في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بناء وتجديد ضريح الغازي “أرطغرل” وأمه “هايماه”. وبدأ اﻹحتفال بيوم بناء الدولة العثمانية في 27 كانون الثاني/ يناير 1884.


اترك تعليقا

Your email address will not be published. Required fields are marked *