جاري التحميل

اكتب للبحث

مقالات الرأي

العلاقة بين المعلم والمتعلم في كتابات المتصوفين الأوائل

توجد قوانين نفسية تحكم العلاقة بين المعلم والمتعلم ، هذه الصلة بمثابة منهج متمثل في مجموعة من الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها تفاعل المعلم مع عقلية ونفسية المتعلم ، وإقامة نظامه التربوي والتعليمي ،


وهذه الوسائل والأساليب تمثل المنهج الذي تقوم عليه العملية التعليمية ، ومن أبرزها في الرؤية الصوفية ما يلي :

أولاً : الشفقة والحنو على المتعلم :


يقول الإمام الغزالي :” إن حق المعلم على المتعلم أعظم من حق الوالدين ، فالوالد سبب وجود الحاضر والحياة الفانية ، والمعلم سبب الحياة الباقية “.
وقال الإمام السكندري في مصاحبة المعلم الرحيم الشفوق على طلابه :” فمصاحبة هذا المعلم تذيق لذة العلم ، وتقطع العتاب ، وتزيل عن قلوب الطلاق العويق ، وتنهض بمهمتهم ، وترفعهم أعلى الدرجات “، إذن فمن الضروري لنجاح العملية التعليمية من تحقيق هذا المطلب .

ثانياً : متابعة الطلاب بالنصيحة وتحفيزهم على النجاح

لما كان منهج المعلم هو الرافد الروحي والسلوكي الذي يرقى عن طريقه الطالب ، كان من الضروري متابعة الطلاب ونصيحتهم ومعرفة أحوالهم ومشكلاتهم ومحاولة حلهم ، وعلى الطلاب أن يرجعوا إليه في أمورهم ، يقول الشيخ الجيلاني :” المعلم هو باب طلابه الذي يدخلون منه للتحصيل ، فيلزمهم الإدلاء عليه وعلى الطالب أن لا ينفرد برأيه دون شيخه ، وإلا ضل في كثير من الأحيان ” .

ثالثاً : زجر المتعلم إذا ساء خلقه تعريضاً وتلميحاً لا تصريحاً :

حتى ينجح المعلم في أن يكون مريباً ، عليه أن يتمثل شخصية الأب الواعي ، ويحاول أن يتصرف مع طلابه كما يتصرف الأب مع أبنائه ، فإذا أساؤا زجرهم ، وإذا أحسنوا كافأهم ، وعليه ألا يوبخهم بالأدب لا بالجهر بالإهانة ، فالتصريح بالإهانة يهتك حجاب الهيئة ، ويورث الجرأة على الهجوم ، بالخلاف ، ويهيج الحرص على الإصرار ، فالمثوبة والعقوبة وسيلتان ناجحتان في تكوين عاطفة الرغبة والرهبة إزاء الفضائل والرذائل ، كما أن الترغيب والترهيب وسيلتان تربويتان تدفعان الفرد إلى أنماط من السلوك اعتمد عليها القرآن والسنة في دفع الناس إلى تطبيق كثير من التعاليم الإسلامية .

رابعاً : معاملة المتعلم على قدر عقله :

مما لاشك فيه أن عقول الطلاب عند التحصيل متفاوتة وغير مستوية ، لذا يلزم المعلم أن يعي هذا التفاوت ويضعه نصب عينيه ، وإلا فشل في تحقيق ما تنشده التنمية التعليمية من مطالب ، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي:” على المعلم ألا يلقى إلى المتعلم ما لا يبلغه عقله فينفره ، أو يخبط عليه عقله” .
هذه أبرز الآليات المتطلبة لنجاح العملية التعليمية المتسببة في رخاء وإنعاش التنمية المجتمعية ، واكتفى بها خشية الإطناب .

مثال لنجاح النظرة الصوفية في التنمية من خلال الدعوة السنوسية:

ضربت الدعوة السنوسية أروع مثال لنجاح اليقظة الروحية في التنمية المجتمعية ، فقد جال الشيخ محمد بن علي السنوسي :” كثيراً من البلدان الإسلامية داعياً إلى إيقاظ المسلمين ونهضتهم ، وقد تربى وتتلمذ مؤسسها – الشيخ / محمد السنوسي – على عدد من شيوخ بلدته ، ثم تطلعت نفسه إلى إكتساب المزيد في العلم فرحل إلى فاس بالمغرب تلقي فيها العلم سبع سنوات ، اتجه فيها إلى التصوف ودراسة قيمه ، ومناهج شيوخه ورجاله ، واكتسب شهرة واسعة ، ثم اتجه إلى الجزائر مدرساً وداعياً وناشراً للعلم ، وضارباً المثل بالإستقامة والقدوة والصلاح والتفاني في إصلاح الناس ، ولم يطب له المقام بالجزائر ، ووجد أنه لن يستطيع تحقيق ما بدأ يعتمل في نفسه من إيقاظ المسلمين ودعوة العالم الإسلامي إلى الوحدة ، فاتجه إلى طرابلس داعياً ومدرساً وموقظاً للمسلمين ، ثم رحل إلى مصر ، واتجه إلى الأزهر الشريف معلماً ومتعلماً ، ثم بيت الله الحرام حاجاً واستقر بمكة مدة من الزمن اختلط خلالها بعلماء دعوة الشيخ / محمد بن عبد الوهاب ، وتلقى عنهم فازداد علماً ، ثم رحل إلى اليمن ، ثم عاد إلى الحجاز ، وكان قد استقر في ذهنه الخطة التي سيعمل من خلالها لتنفيذ منهحه الدعوى والعمل على إيقاظ العالم الإسلامي ، ومن خلال الزوايا التي أخذ في إنشائها .وعمل على أن تكون مراكز علم وعمل وإعداد للأجيال وتربية لشباب المسلمين على الجهاد إلى جانب اكتساب السلوك الإسلامي الصحيح والأخذ بأخلاق الإسلام في كل مناهج الحياة ، وتدريب المنضمين إلى هذه الزوايا على العمل في الزراعة والصناعة وإصلاح الأرض وتحويل الصحاري إلى مزارع وواحات ، وكان ذلك في عام 1252هـ ، ويمكن اعتبار هذا التاريخ البداية العملية لنشأة السنوسية ، وظل بالحجاز بعد ثلاث سنوات أنشأ فيها عدداً آخر من الزوايا ، ويلاحظ هنا أنم الشيخ السنوسي طور فكرة الزوايا التي كان يتخذ منها الصوفية أماكن للإقامة والطعام والشراب والانقطاع عن النشاط الإنساني العام ، ما عدا التفرغ للعبادة ، فقد طورها وجعلها مراكز للإعداد والتوجيه والتربية والتعليم ، والتدريب على الجهاد واستفادة الخبرات الصناعية والزراعية .

ولم ينقطع نشاط السنوسية ودعوتها إلى الصحوة في سائر البلاد المسلمة ، حتى بعد أن توفى السيد / محمد السنوسي ، فقد صار على دربه ابنه ” السيد المهدي ” الخليفة الأول له ، فأرسل دعاته إلى أفريقان وكان المزاحم الأكبر لجمعيات المبشرين الأوربيين المنتشرين في أفريقيا ، واعتنق الإسلام الملايين من الزنوج من سكان بلاد النيجر والكنغو والكاميرون وديار بحيرة تشاد ، وكان السيد المهدي يهدي هدي الصحابة والتابعين ، لايقتنع بالعبادة دون العمل ، ويعلم أن أحكام القرآن محتاجة إلى السلطان ، فكان يحث إخوانه ومريديه دائماً على الفروسية والرماية ، ويبث فيهم روح الألفة والنشاط ويحملهم على الجلاد ، ويعظم في أعينهم فضيلة الجهاد وقد أثمر غراس وعظه في مواقع كثيرة ، فأثبت أن السنوسية قوة مادية تضارع قوة الدول الكبرى .

وكان ” السيد المهدي ” يخصص يوم الخميس من كل أسبوع للأعمال اليدوية فيترك الطلاب الدراسة ، ويشتغلون بأنواع المهن من بناء وتجارة وحدادة ونساجة وصحافة ، وكان يشاركهم ليبعث فيهم النشاط والمنافسة وكان يوم الجمعة مخصصاً للتمرينات الحربية من رماية وغيرها ، ولم يكن أمر الزراعة بأقل شأناً مما سبق ، فكان السيد المهدي وأبوه من قبله يعملان على تحويل الصحراء إلى جنات ، فكانت الزاويا تحيط بها البساتين ، وتزرع فيها أصناف الأشجار المستقدمة من أقصى البلاد ، إلى جانب تأمين المياه للشرب والزراعة ، فكانوا يحفرون الآبار ، ويتعرفون على أماكن العيون في جوف الصحراء وقد بلغ عدد الزوايا في أيام السيد المهدي (146) زاوية ، وكان السيد المهدي يشجع الشباب على الجد والعمل فكانوا يسألونه أن يعلمهم الكيمياء ، فيقول : الكيمياء تحت سكة المحراث ، وأحياناً يقول : الكيمياء هي كد اليمين وعرق الجبين ، وظل هكذا داعياً عاملاً موجهاً ، قدوة في العلم والعمل والسلوك الأخلاقي حتى لقي ربه راضياً مرضياً عام 1902م .

وهذا مثال يشهد لنجاح النظرة الصوفية الروحية في بعث روح النشاط والتنمية في العالم الإسلامي، حتى يتمكن من تمثيل حزمة حضارية ، وقوة دولية لها الصدارة والهيمنة على العالم أجمع .

د.عبدالوهاب القرش

المصادر والمراجع
– الإمام الغزالي ، إحياء علوم الدين .
– الإمام أحمد بن عطاء السكندري ، التوفيق في آداب الطريق، طبعة الغد العربي ، (د.ت) .
– الشيخ عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ، ص 129 ، طبعة البابي الحلبي ، (د.ت) .
– الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ، ط3 ، نشر دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع ، 1418ه .
– الأمير شكيب أرسلان ، حاضر العالم الإسلامي ، الطبعة الثانية ،، 1 / 295 ، 296 ، محمد إبراهيم الجيوشي ، الدعوة والدعاة في العصر الحديث ، مطبعة الحسين الإسلامية ، (د.ت) .


اترك تعليقا

Your email address will not be published. Required fields are marked *